دولية

النظام العالمي الجديد القديم

فيكتور ديفز هانسون
انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

  يتداعى مسرعاً النظام العالمي الجديد، الذي برز في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وعادت الدول إلى انفعالاتها، منافسات واختلافات تعود إلى قرون مضت.

 لنأخذ أوروبا كمثال في هذا الصدد. فقد أخذت في الانحلال الرؤية القديمة التي دامت على مدار عقود، والتي كانت تنادي بقارة أوروبا الموحدة بلا حدود. وقد أثبت حلم الرفاه من المهد إلى اللحد، أنه مكلّف جداً بالنسبة لسكان أوروبا الذين يعانون الانكماش والشيخوخة.

وتظل الفجوات الثقافية واللغوية والاقتصادية بين ألمانيا واليونان وبين هولندا وبلغاريا، شديدة الاتساع بدرجة يصعب معها جسرها من خلال البيروقراطيين في بروكسل. وعاد حلف شمال الأطلسي للإشارة بتلطف إلى المضمون البغيض للحملات العسكرية الأميركية.

النزعة القومية بدأت تعود حالياً، استناداً إلى الروابط المشتركة الأقوى في مجالات اللغة والتاريخ والدين والثقافة، بل إننا نرى عودة مشكلة أوروبية عمرها قرنان من الزمان، إلا وهي ألمانيا القوية التي تسعى بحكم المنطق إلى نفوذ سياسي أكبر، يتلاءم مع تفوقها الاقتصادي الذي لا يمكن إنكاره.

ولم يعد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المجهد حول مستقبل الضفة الغربية، محور الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط، وأصبح العالم العربي الإسلامي الآن أكثر انزعاجاً حيال عودة المتشددين إلى البروز من جديد.

 وبدأت تركيا ترتد إلى ماضيها السابق في القرن العشرين، وتخليها عن حلف شمال الأطلسي ليس إلا مسألة وقت. الاتحاد الأوروبي اعتاد إلا يرغب في تركيا، والآن فإن تركيا هي التي لا تريد الاتحاد الأوروبي المتذبذب.

 إن النزعة التنضيجية التركية، تمجّد الآن السلطة العثمانية القديمة. وتريد تركيا أن تعيد تنشيط ذلك النموذج الانفعالي كموحّد ومدافع عن الإسلام، وليس عن الدولة الحديثة والعلمانية في عهد كمال أتاتورك. وينتاب جيران تركيا الضعفاء، مثل أرمينيا وقبرص واليونان وكردستان، شعور تاريخي بالخوف.

 لا يزال الاقتصاد الياباني راكداً، وسكان اليابان الذين يعيشون في بحبوحة، يتقلص عددهم ويوغلون في العمر. وفي أنحاء أخرى من المنطقة، تتوسع الصين وكوريا الشمالية النووية المعتوهة. إلا أن اليابان ليست على ثقة مما إذا كانت الولايات المتحدة المنشغلة بأمورها الداخلية، لا تزال محل ثقة بشأن وعدها القديم بالحماية ضد أي عدو وكل الأعداء.

وهناك سيناريوهان محتملان في آسيا على جانب كبير من الجهامة؛ فإما أن تملي الصين الصاعدة السياسات الخارجية على اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أو سوف تظهر قوى نووية مستقلة جديدة لكي تعطل الصين، ذلك أن هذه الدول لا يمكنها التعويل على الولايات المتحدة المفلسة من أجل الحماية.

 وروسيا الغنية بموارد النفط، والتي حرمت من الإمبراطورية الشيوعية، يبدو أنها تبحث عن الهيبة والنفوذ الإمبراطوري المفقود، من خلال دعم أي شيء تعارضه الولايات المتحدة. وقد تمت ترجمة هذا التوجه من خلال صفقة بيع الخبرة والمواد النووية لإيران، وتوفير الأسلحة للدول المثيرة للاستفزاز مثل فنزويلا، ومعاقبة دول الجوار في ما يتعلق بإمدادات الطاقة.

 وغير بعيد من الولايات المتحدة، أصبحت المكسيك صديقاً من نوع غريب. تتحول يومياً إلى مكان أكثر عنفاً وفساداً من العراق أو باكستان، ولا تبدي القيادة البالية في المكسيك أي اهتمام بالإصلاح، إما من خلال انفتاح اقتصادها أو تحرير المؤسسات السياسية.

 وبدلاً من ذلك، فإن بقاء المكسيك ذاته يعتمد على القدر المثير للسخرية من تصدير مواطنيها الفقراء والتعساء سنوياً إلى أميركا. ونظراً لاهتمامها بالمال أكثر من شعبها، تعتمد الحكومة المكسيكية على أكثر من 20 مليار دولار من التحويلات التي تعود إلى البلاد كل سنة.

 ولكن المواطنين الأميركيين سئموا من قبول تكلفة دعم قرابة 15 مليون مغترب فقير غير قانوني، والعداء المتزايد بين الدولتين تعود جذوره إلى اضطرابات في القرن التاسع عشر على ضفاف نهر ريو غراندي.

 كيف ستتعامل أميركا مع هذه المتغيرات المتعلقة بالعودة إلى المستقبل؟ إن أميركا منقسمة سياسياً، وملتزمة بحربين، وتستغرق في ركود عميق، وتعاني الإفلاس ولا تزال فاقدة التوازن من تبعات الركود المالي في 2008، ويبدو أن حكومتنا أصابها الشلل.

وكما انفجرت الاشتراكية الأوروبية داخلياً، تريد حكومة أميركية مركزية جديدة استنساخ الفشل، من خلال الاضطلاع بمسؤولية أكبر في الاقتصاد، واقتراض تريليونات الدولارات من أجل توفير الاستحقاقات الإضافية.

 وفيما يتطلع الحلفاء القدامى الذين ينتابهم الذعر، إلى تلقي الحماية الأميركية، فإننا نتحدث عن تخفيض الميزانية الدفاعية. وبشكل يحمل نغمة الاعتذار، فإننا نقضي المزيد من الوقت في طمأنة الأعداء الواثقين، أكثر من دعم الأصدقاء القلقين. وبدلاً من أن نستكمل السور الحدودي ونغلق الحدود الجنوبية، فإننا نقاضي ولاية تحاول تنفيذ قوانين الهجرة، والتي لن يكون بوسع الحكومة الفيدرالية تطبيقها.

 وفي الوقت الذي تنتشر الطائفية في الخارج، فإننا داخل أميركا نقلد بصورة كاريكاتورية البوتقة الأميركية التي كانت ناجحة يوماً. ولكن فقط في الوقت الذي تعود فيه المشكلات القديمة، كذلك تعود الحلول القديمة.

 فالأفكار التي كانت يوماً ما فظة مثل اقتصاد السوق الحرّ، والدفاع القوي، والحدود الآمنة والوحدة القومية، بدأت فجأة تظهر جديدة ومتسمة بالحكمة.

 أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة ستانفورد الأميركية

 

هل تكون الضربة الإسرائيلية من نصيب بوشهر؟

إيليا ليستوف
انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

كان الأسبوع الذي سبق افتتاح محطّة بوشهر عصيباً، وتخللته تصريحات ناريّة دعا فيها جون بولتون، سفير الولايات المتحدة السابق الى الامم المتحدة، اسرائيل الى ضرب المفاعل قبل الافتتاح الرسمي، قبل فوات الآوان. ولكن في نهاية الأمر، رجحت كفة القائلين أنّ محطة بوشهر للطاقة النووية لن تستخدم لانتاج الأسلحة النووية. فروسيا تتولى تزويد المفاعل باليورانيوم، وتستعيد مخلّفات الوقود من المفاعل. وعلى رغم ذلك، قضيّة ضرب المفاعل لم تطوَ، وهي قيد النقاش. وبناء على عِبر التاريخ، ينطوي صمت العسكريين على معانٍ تخالف ما يوحي به الصمت. وهذا ينذر بأن إعداد الهجوم جارٍ، وهو في المرحلة النهائية. وبلغ الحديث عن توجيه ضربة الى إيران ذروته بين 2004 و2008. وتباهى محمود أحمدي نجاد بقدرته على المضي قدماً في البرنامج النووي، على رغم العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلاده. وفي حزيران (يونيو) 2007، أعلن رئيس الاركان السابق ووزير الدفاع في حكومة ايهود اولمرت، شاؤول موفاز، ان إسرائيل ستشن هجوماً على المفاعل إذا واصلت ايران تطوير برنامجها النووي.

ولكن بينما البرنامج النووي الإيراني يمضي، تغيّرت الأوضاع السياسية بإسرائيل. وآلت رئاسة الوزراء الى بنيامين نتانياهو، الذي يتجنب التعليق على موضوع هجوم محتمل. وقد يحسِب المرء أن إسرائيل فقدت ببساطة المبادرة. ولكن يجب ألا ننسى ان لديها خبرة في تصفية منشآت الدول المعادية النووية، على ما فعلت في العراق في 1981، وفي سورية في 2007.

وظهر بعض الوثائق المنشورة والمرتبطة بهجوم 1981 اعتماد الإسرائيليين على عامل المفاجأة. فالهجوم على المفاعل العراقي كان مقرراً في 10 أيّار (مايو) 1981. ولكن عشية الهجوم تلقى رئيس مجلس الوزراء مناحيم بيغن رسالة من رئيس المعارضة البرلمانية، شيمون بيريز يحذره فيها من مغبّة هذه المغامرة العسكرية، وعواقبها. وعليه، قرر بيغن ارجاء الضربة. ورأى أن القرار إذا تسرب الى زعيم المعارضة، فلا بدّ انه تسرب الى آخرين. ولذا، عين موعد الضربة الجويّة 7 حزيران (يونيو).

أمّا في 2007، فقصفت اسرائيل الأراضي السورية، ودمرت، على ما يبدو، مفاعلاً من انتاج كوري شمالي ساهمت الاستخبارات الايرانية في تهريب أجزائه الى سورية. وعلى خلاف الاسرائيليين، أعلنت السلطات السورية أن القوات الجوية الإسرائيلية قصفت مبنى مهجوراً هو مصنع تعليب.

واليوم، يرصد الخبراء العسكريون بينات واضحة على الإعداد الإسرائيلي لهجوم محتمل على ايران. فعلى سبيل المثال، اشترت اسرائيل «القنابل الذكية»، «جي بي يو 39»، وهي فعّالة في تدمير المخابئ المحصنة. ولم تتوقف عمليات تدريب جنود الاحتياط الاسرائيليين على مواجهة الرد الايراني المحتمل اثر قصف منشآت الجمهورية الاسلامية النووية.

ولا يُستهان بدلالة تعاظم نشاط الديبلوماسيين الاسرائيليين في مصر والأردن. فإسرائيل قد تضطر إلى اجتياز أجواء البلدين عند الهجوم على إيران. وفي السياق نفسه، زار مدير الموساد، مئير داغان، دولة خليجية لسبب لم يعلن. وقال، أخيراً، غاري سيمور، مستشار الرئيس الاميركي لشؤون الحد من الانتشار النووي الى صحيفة «نيويورك تايمز» ان ايران تحتاج الى عام واحد لتطوير قنبلة ذرية. وتملك اسرائيل الوقت نفسه لتحسم رأيها، وتقرر إذا كانت ستستهدف محطة بوشهر النووية أو مواقع أخرى أكثر ارتباطاً بالبرنامج النووي الايراني. والقرار هو، اليوم، بيد حكومة نتانياهو.

تركيا جسر بعيد من أوروبا

جوزيف يوف
انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

دعا الصحافي جدعون رخمان الى ضم الاتحاد الأوروبي تركيا اليه شرط ألا تُرفع القيود عن حركة العمال والمهاجرين الأتراك الى الاتحاد. فموجات الهجرة الكبيرة من دول اسلامية مثل تركيا قد تغير وجه السياسة الداخلية في بعض دول أوروبا الغربية، على قوله. ولكن حل المشكلة هذه يسير، ويقتصر على تقييد عدد المهاجرين من تركيا الى الاتحاد لتفادي تعاظم نفوذ اليمين الشعبوي. ويغفل راخمان أن ثمة مسألة جيو - سياسية تفوق أهمية المسألة هذه. فتركيا هي جسر بين الشرق والغرب. ولكن حجم سكان تركيا ضخم، ويتوقع أن يفوق قريباً عدد سكان بعض الدول الأعضاء مجتمعة. وتركيا تتصل بالشرق الأوسط، أكثر مناطق العالم خطورة.

والى اليوم، لم يواجه الاتحاد الأوروبي «عوارض الإمبراطورية الرومانية»، أي النزاعات الاستراتيجية المترافقة مع التوسع المطّرد. وعندما توسع الاتحاد خارج نواته الأولى، وضم بريطانيا واسكندينافيا والنمسا، وغيرها، اتجه نحو دول مستقرة يعمها السلام، والديموقراطية فيها راسخة، ما خلا اسبانيا والبرتغال ما بعد الحقبة الفاشية. ولم يفضِ التوسع التدريجي الى نزاعات داخلية أو خارجية. ولكن حال تركيا مختلفة. فاللون الإسلامي بدأ يطغى عليها. والديموقراطية لم تمتحن في الداخل التركي بَعد. وحكومة رجب طيب أردوغان، على رغم أنها منتخبة ديموقراطياً، تتوسل وسائل غير ليبرالية للتخلص من منافسيها غير الليبراليين، أي الجنرالات والعسكر. ولكن الوسيلة تقوض الغاية. وهذه لا تبرر الوسيلة. لذا، قد لا تفضي الوسائل هذه الى تربع دولة غير عسكرية متألقة على البوسفور، ما هو حال السويد.

وتشن الحكومة التركية حملة عسكرية على الأكراد. وهي لم تعزز الاستقرار الداخلي، ولم تلتزم حكم القانون. وإذا انضمت تركيا الى الاتحاد الأوروبي اتصلت حدود الاتحاد بسورية وإيران، وهما دولتان مارقتان أفلحت أوروبا في النأي بنفسها عنهما. وتبدو حملة اسبانيا على الانفصاليين الباسك في مثابة نزهة مقارنةً بحملة تركيا على الاكراد. واليوم، تتقرب أنقرة من الشرق، وتخطب ود سورية وطهران. وترمي السياسة الخارجية التركية الجديدة الى الهيمنة، وليس الى اقناع الاتحاد الاوروبي بقبول عضويتها. فمع انحسار النفوذ المصري في المنطقة، وتفشي الذعر في الخليج من ايران، تبدو الساحة السنّية العربية لقمة سائغة. وتطمح تركيا الى ملء الفراغ في الساحة العربية.

والاتحاد الاوروبي مكان مستقر وهادئ وهانئ، وليس امبراطورية فعلية تنصرف الى بسط النظام داخل حدودها وخارجها. وهو اتحاد لا يرسي الاستقرار، بل يفترض سبق رسوه. ولا يملك الاتحاد، فيما خلا فرنسا وبريطانيا، طموحات كبيرة ولا ينتهج استراتيجيات عظيمة. وفي وسع الاتحاد إقرار السكينة في اسبانيا والبرتغال وجمهورية تشيخيا وبلغاريا. والدول هذه منهكة، ولا تسعى الى مغامرات خارج أوروبا. ويسر الدول هذه العيش في ظل حكم بروكسل المترف. ولكن تركيا هي «جسر بعيد»، على ما قال الجنرال البريطاني فريديريك براوننغ، نائب قائد سلاح جو الحلفاء في الحرب الثانية، للمارشال برنرد مونتغمري عن عملية اختراق الخطوط الألمانية في هولندا. وحريّ بأوروبا أن تشرع أبواب الاستثمار والتجارة أمام تركيا، وأن تحفظ لها مكاناً ترسو فيه يوم تحسم أمرها إزاء أوروبيتها. ولكن لا يسعنا، اليوم، قبول عضويتها قبل مرور جيل على الاقل. فاليونان الصغيرة التي لا يزيد عدد سكانها عن 11 مليون نسمة لم تكن، في 1981، مهيأة للانضمام الى أوروبا. والى اليوم، وعلى رغم انضمامها، لم تصر اليونان أوروبية بعد. فكيف الحال بتركيا وعدد سكانها 72 مليون نسمة؟

نافذة أمل في الشرق الأوسط

مارتن أنديك
انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

 على رغم أن الرئيس اوباما نجح، بعد طول انتظار، في جمع الفلسطينيين والإسرائيليين على طاولة المفاوضات، تهمل التعليقات فرص نجاح عملية السلام. ولكن أربع سمات تميز المحادثات التي تبدأ في 2 أيلول (سبتمبر) المقبل بواشنطن من المحاولات السابقة. والسمات هذه واعدة، وهي:

- تراجع معدلات العنف تراجعاً كبيراً في المنطقة. ففي التسعينات، اجتاحت اسرائيل هجمات ارهابية قوضت شعبية زعمائها وقدرتهم على تقديم التنازلات. وحسِب الإسرائيليون أن ياسر عرفات ينتهج سياسة مزدوجة فيؤيد المفاوضات في العلن، ويطلق يد الإرهابيين في اراضي السلطة التي يفترض انه يحكم قبضته عليها.

واليوم، تفرض السلطة الفلسطينية النظام في الضفة الغربية، وتحول دون شن هجمات على اسرائيل لتثبت انها شريك في المفاوضات يُعتد به. وشأن السلطة الفلسطينية، تمنع «حماس» شن هجمات من غزة على اسرائيل خشية أن يطيحها الرد الإسرائيلي من الحكم. وتضافرت الجهود الفلسطينية مع اجراءات امنية اسرائيلية فعّالة. فانخفض عدد الضحايا المدنيين الإسرائيليين في الهجمات الإرهابية الى 6 قتلى، في 2009، بعد أن بلغ عددهم 452 قتيلاً، في 2002.

- تراجع حركة الاستيطان جراء تعليق بناء المستوطنات في الـ 10 أشهر الماضية. وبحسب مكتب الإحصاءات الإسرائيلي، لم تبنَ منازل جديدة بالضفة الغربية، في الربع الأول من العام. ولم تباشر مشروعات سكنية جديدة بشرق القدس، اثر صخب آذار (مارس) يوم دان نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، اعلان تشييد 1600 وحدة سكنية جديدة. وانخفضت معدلات هدم منازل الفلسطينيين، قياساً إلى نظيرها في الأعوام الأخيرة. ولكن قرار تعليق الاستيطان وبناء المستوطنات ينتهي مفعوله في 16 من الشهر المقبل، ورئيس السلطة الفلسطينية لوّح بالانسحاب من المفاوضات إذا استُئنف الاستيطان.

لكن ثمة مجالاً للمساومة. وفي وسع نتانياهو تقييد بناء المستوطنات بقيد النمو المعتدل في المستوطنات التي يرجح ضمها الى اسرائيل في الاتفاق النهائي لقاء بديل مكافئ يستفيد منه فلسطينيو الضفة الغربية. وفي وسع اسرائيل السماح لدوريات الشرطة الفلسطينية بالعمل في معظم قرى الضفة الغربية.

- تأييد عموم الإسرئيليين والفلسطينيين حل الدولتين، شأن نظرائهم العرب. فشعوب الشرق الأوسط انهكها النزاع. ولا شك في أن نتانياهو يواجه معارضة قوية داخل حزبه، الليكود، ولكنه يستطيع الاتكاء على تأييد التيارات الوسطية الإسرائيلية واليسار في سبيل ضمان غالبية في الكنيست. والاستفتاء الفلسطيني على إنشاء الدولة الفلسطينية يحظى من غير شك بتأييد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، على حد سواء.

- ولم تبقَ موضوعات كثيرة للتفاوض عليها. ففي الأعوام الـ17 المنصرمة منذ ابرام اتفاقات أوسلو، بحثت مفاوضات الوضع النهائي تفاصيل القضايا الحساسة كلها. ونقاط الاتفاق واضحة. ولا تخفى نقاط المساومة على أحد. وحدها الاتفاقات الأمنية تحتاج الى بلورة. فأخطار التهديدات الصاروخية تعاظمت منذ انهيار مفاوضات كامب دايفيد، في 2000. ويفترض الاتفاق الأمني النص على ترتيبات ضبط الحدود بين الجانبين، ومرابطة قوة ثالثة في وادي الأردن. ويحتاج انجاز الاتفاقات هذه الى عام واحد. وإذا كان الزعيمان الإسرائيلي والفلسطيني جادين في السعي الى السلام، فقد تقوض المراوغة وإطالة المفاوضات مكانتها السياسية، وتمنح معارضي السلام الوقت لجمع صفوفهم.

وخلاصة القول أن ظروف مفاوضات السلام، اليوم، واعدة، على ما لم تكن في العقد الماضي. ولكن هل يملك الرئيس محمود عباس، الضعيف في الداخل، شجاعة اقناع شعبه بالتنازل عن حق العودة الى اسرائيل؟ وهل حزم نتانياهو أمره في الانسحاب من نحو 95 في المئة من الضفة الغربية، وارتضى أن تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية؟ وهل يستطيع الرئيس أوباما اقناع الطرفين بإبرام الاتفاق، وطمأنتهما الى أن الولايات المتحدة ستوفر شبكة امان لهما اذا فشل الاتفاق؟

وفي نهاية ولاية ادارة كلينتون، لاحظ شمعون بيريس أن «التاريخ مثل حصان يقفز أمام نافذتك. والقفز من النافذة لامتطائه هو امتحان حس القيادة الفعلي». وعرفات فشل في الامتحان هذا. ولا يسعنا معرفة ما إذا كان عباس ونتانياهو سيقدمان على تلك القفزة السياسية.

انشقاق قبلي في أفغانستان

جيروم باتوت
انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعةإرسال إلى صديق

تتكاثر أصوات الذين يرون، يوماً بعد يوم، ان نظرية أو عقيدة مكافحة التمرد بأفغانستان أخفقت. وغداة رحلة الى مناطق القبائل بأفغانستان تنقلت في أثنائها بين معاقل طالبان ومحميات «القاعدة» وديرات أسياد الحرب الخلفية، أود أن أقاسم المعنيين ما يبدو لي العلة الخفية في إخفاق القوات الدولية على المسرح الأفغاني.

ولا بأس بالتذكير، بداية، بأن مذاهب مكافحة التمرد ومدارسها ولدت في سياق التحرر من الاستعمار وطي صفحته. وحين قام الاستقلاليون على المستعمرين، حسب هؤلاء ان المعالجة المناسبة تدعوهم الى تحميل السكان كلهم وزر مبادرة الاستقلاليين الى شن الحرب على المحتلين. ومجازر سطيف، بالجزائر، في 1945، مثل على «المعالجة» هذه. ومكافحة التمرد هي خلاف هذا النهج وعلى نقيضه. فإحلال السلم والأمن في البلاد يقتضي فك روابط السكان بالمتمردين. وركن سياسة إخراج المدنيين من سيطرة دعاة الاستقلال ترجيح ميل كتلة المدنيين الى السلم والدعة، ونفورها من العنف، وانخراطها في صف الذين في وسعهم تولي عمل الدولة وهيئاتها من غير نزاعات.

وبسطت الولايات المتحدة سيطرتها على العراق، في 2007، غداة 4 سنوات من المحاولات الفاشلة. وكان نهج مكافحة التمرد هو وسيلتها الى نجاحها في ما أخفقت فيه من قبل. وما سمي «التزخيم» اشترك «كسب القلوب والعقول». فعول المدنيون العراقيون على قوات الاحتلال، وحمّلوها المسؤولية عن إدارة الدولة ودعوها الى الاضطلاع بهذه المسؤولية، وعزلوا المتمردين. ودعا النجاح العراقي قيادة الأركان الأميركية الى إعمال المذهب حرفياً في أفغانستان.

والحق ان النقل الحرفي متعذر، فعلى خلاف العراق لم تختبر أفغانستان يوماً سيطرة الدولة على البلد وجماعاته. وبينما غلب على العراق تقليد سياسي قوامه الدولة وسيطرتها، منذ العهد العثماني، واستمر عليه البريطانيون وقووه، تبقى أفغانستان، سياسياً، منطقة قبلية فسيحة، فهي «دولة من غير دولة»: دولة حاجز أنشئت حين استعر النزاع بين روسيا القيصرية والامبراطورية البريطانية. ولم تتخط البنية القبلية. والصفة هذه لا تضمر تقويماً. فالدولة والقبيلة صورتان من صور الاجتماع البشري. والدولة لا يزال تاريخها فتياً، ولا يعدو القرون الخمسة منذ ولادتها في مهدها الأوروبي.

وعلى قدر ما تناست الدولة، في صراع الدولة والقبيلة، مذهبَ مكافحة التمرد، وتحضن المكافحة وتتولاها، لا معنى للمذهب ولا جدوى منه حيث لم تقم للدولة قائمة، ولم ترسخ لها قدم، اي حيث لا ينازع القبائل منازع. ويقارن الأمر بالتاريخ الأوروبي ومسار حوادثه. فهو كان مسرح نزاع طويل ومديد بين نازع إرادة ملكية إلى بناء دولة وبين إدارة الأشراف والأعيان إدامة الشكل الإقطاعي. ويُرى الصراع هذا جلياً في التاريخين البريطاني والفرنسي، وفي انتفاضات البارونات البريطانيين والأمراء الفرنسيين. وفي ضوء هذا التاريخ، ليس «أسياد الحرب» الأفغان أوائل الثائرين على ظهور الدولة واستقرارها. ومشكلتهم ليست خلخلة دولة استقر بنيانها وتمكن. وعلى هذا، فهم لا يقودون تمرداً بل انشقاقاً.

والمقلاع (يقال انشقاق ومقلاع بكلمة واحدة: «فروند») سلاح طريف قارع سلاح المشاة والفرسان الملكيين و «بندقيتهم» التي تطلق سهماً يثبت نصله على منصة إطلاق خشبية قصيرة. وانقلبت المقاليع، بعد 4 قرون، رشاشات كالاشنيكوف ضئيلة قياساً على طائرات «بريديتر» من غير طيار. وليس الملا عمر إلا صورة قاتمة عن بعض الأشراف الذين قادوا انشقاقات أمثالهم على ملوك القرن السابع عشر. وعلى رغم بعد الشقة بين طرفي المقارنة فالذكاء السياسي في كلتا الحالين واحد، وغايته واحدة.

وإذا صدقت المقارنة وصحت، فينبغي استبدال مكافحة التمرد بمكافحة الانشقاق. وانتصرت القوات الملكية على انشقاقات الأشراف والأعيان حين استمالت صغار هؤلاء على كبارهم، وقضت في هؤلاء بالعزلة، شأن غوندي، أو بالعجز، شأن كونديه. ويدعو منطق مكافحة الانشقاق الى مخاطبة مصلحة صغار أسياد الحرب، حيث يدعو منطق مكافحة التمرد الى مخاطبة قلوب المدنيين. وعليه، يجب استقبال بضع عشرات الآلاف من الطالبانيين المتواضعين في صفوف الدولة الأفغانية القادمة، حيث يدعوهم داعي مصلحتهم حين تفهم هذه على وجهها الصحيح.

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL

حاليا يتواجد 617 زائر  على الموقع